الأمير السعودي والتاجُ المرصّع
جوزف الهاشم
Friday, 28-Nov-2025 07:44

مَنْ هو هذا الفاتحُ العربي المعاصر الذي يستعيد ما كان لتاريخ الإسلام من فتوحات، تدقُّ أبواب إفريقيا وإسبانيا وجنوب فرنسا والهند وأسوار الصين؟

مَن هو هذا الفاتح الذي اسمهُ: محمد بن سلمان، والذي راح يفتتحُ البلدان بانفتاح الساعدَين في مواجهة الإنغلاق بالسيف؟

سيفُـهُ الصولجان، والتاج مُصحَف...

 

كيف يستطيع فارس الصحراء أن يمتَطيَ الجوادَ العربي الأصيل ويخوض ميدان السباق مع الفارس الشارد في القفز فوق كل الحواجز الدولية؟ وكيف يستطيع أن يطبّع الرئيس الأميركي إبراهيمياً قبل أن يطبّعَهُ إسرائيلياً؟

لا... ليس الفضل لآبار النفط التي تَرضَخُ لها شهيِّةُ العنجهية الأميركية...

لقد كانت آبار النفط قبل أن يكون محمد بن سلمان، وكان البيت الأبيض يستثمر الذهب الأسود، ويحاول أن يرميَ يوسفَ في البئر.

 

العامل التاريخي يُبرزُ الفارقَ بين عمق الآبار والقامات العاليات...

والتاريخ لا يصنع الرجال، الرجال هم الذين يصنعون التاريخ.

لم يكن في تاريخ البيت الأبيض استقبالٌ ملوكي لأمير على بساطٍِ أحمر، كمثل ما كان لوليِّ العهد السعودي محمد بن سلمان.

 

الأمر يتعلّق بجدليّةِ العلاقة بين العقل والأحداث، ومنهجية الحضور في التأثيرات الخارجية، إنّه النهجُ الذي تميَّزت بهِ شخصية الأمير من خلال حكمةِ الإستشراف والتبصُّر العقلي، مع بروز المملكة طاقـةَ نفوذٍ راجحةً في محيطها الأوسع.

 

لقد احتضن وليُّ العهد الأشقاء العرب بعباءة حميمة، ومدَّ الأذرعَ البيضَ الداعمة لهم، وأبْرمَ علاقاتٍ وديّةً وطيدةً مع أوروبا وروسيا والصين، واحتفظ بالعلاقة التاريخية مع الولايات المتحدة، استناداً إلى اللقاء الذي تمّ في الرياض، بين الرئيس الأميركي «روزفلت» والملك عبد العزيز بن سعود سنة 1945.

 

بهذه الخصائص استطاعت السعودية أن تشكّل قاعدةً محوريةً لاحتواء التناقضات وقطباً جاذباً لرعاية المفاوضات، وأن تكون مثالاً يُحتذى للسلام في الشرق، بل للسلام العالمي.

وإلّا... فما هو السرُّ الذي يجعل كلامَ الأمير أميرَ الكلام عند الرئيس الأميركي دونالد ترامب ..؟

 

لقد استطاع أن يجمع الرئيسَين الأميركي والسوري أحمد الشرع في الرياض، طالب برفع العقوبات القيصرية عن سوريا فكان له ما أراد...

طالب باتفاق ٍ لوقف النار في قطاع غزة، فكان الأمرُ مفعولاً...

طالب بموقف أميركي في السودان، فتلقّى وعداً أميركياً بالتدخّل وصولاً إلى حلّ.

 

وإلّا فماذا يمنع أن تتحوّل أرض السودان كلُّها إلى مقابر، وهناك حسب الإحصاءات 21 مليون إنسان يعانون من التهجير والأمن الغذائي والأمن الإنساني والأمن النسائي.

وبفعل ما يتمتّع به الأمير من تأثير في «الإستكبار» الأميركي، طلبت إيران أن يتوسَّطَ لها من أجل التوصّل إلى حلّ للأزمة النووية الإيرانية.

 

هكذا كانت شيمةُ الإمام علي بن أبي طالب، حين راح يُسْدي النصحَ لخصمه بالقول: «حين يستنصحني خصمي، يكون قد خرج من عداوتي إلى موالاتي فأُخلِصُ له النصيحة...».

 

بمقدار ما نعتزّ بأمير عربي، ولا سيما سعودي يرتقي إلى هذا المقام الدولي الرفيع المستوى، يعزّ علينا أن نفتقد الدور الذي كان يتمّيز به لبنان في المحافل الدولية، يوم فوَّضتِ الدولُ العربيةُ إلى الرئيس اللبناني سليمان فرنجية أن يمثلها في الأمم المتحدة، دفاعاً عن القضية الفلسطينية في 14 تشرين الثاني 1974.

 

وفي اعتقادي، أنّ الذين أوصلوا لبنان إلى هذا القدر من الإنحطاط الذليل، يعرفون أنفسَهُمْ ويعرفون أيَّ جريمة ارتكبوا، وأيَّ منقلبٍ سينقلبون.

الأكثر قراءة